الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
231
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
كما في قوله تعالى : وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ [ الأحقاف : 32 ] ولعله مما جرى كذلك في كلام العرب كما يؤذن به قول إياس بن قبيصة الطائي من شعراء الجاهلية : ألم تر أن الأرض رحب فسيحة * فهل تعجزني بقعة من بقاعها وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ . يجوز أن يكون المراد بالأول الأنصار ، أي ما لهم ناصر ينصرهم من دون اللّه . فجمع لهم نفي سببي النجاة من عذاب القادر وهما المكان الذي لا يصل إليه القادر أو معارضة قادر آخر إياه يمنعه من تسليط عقابه . و مِنْ دُونِ اللَّهِ متعلق ب ( أولياء ) لما في الولي هنا من معاني الحائل والمباعد بقوله : وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً [ النساء : 119 ] . ويجوز أن يراد بالأولياء الأصنام التي تولوها ، أي أخلصوا لها المحبة والعبادة . ومعنى نفي الأولياء عنهم بهذا المعنى نفي أثر هذا الوصف ، أي لم تنفعهم أصنامهم وآلهتهم . و مِنْ دُونِ اللَّهِ على هذا الوجه بمعنى من غير اللّه ، ف ( دون ) اسم غير ظرف ، و ( من ) الجارّة ل ( دون ) زائدة تزاد في الظروف غير المتصرفة ، و ( من ) الجارة ل ( أولياء ) زائدة لاستغراق الجنس المنفي ، أي ما كان لهم فرد من أفراد جنس الأولياء . والعذاب المضاعف هو عذاب الآخرة بقرينة قوله : لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ المشعر بتأخير العذاب عنهم في الدنيا لا عن عجز . يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ . خبر عن اسم الإشارة . ويجوز أن تكون جملة لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ خبرا أوّلا وجملة يُضاعَفُ خبرا ثانيا . ويجوز أن تكون جملة لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ حالا وجملة يُضاعَفُ خبرا أول . ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ . يجوز أن يكون هذا خبرا عن اسم الإشارة أو حالا منه فتكون استطاعة السمع